شكيب أرسلان
237
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
وقال ابن خلكان « 1 » : وكان للحجاج في القتل وسفك الدماء والعقوبات غرائب لم يسمع بمثلها . ويقال : إنّ زياد بن أبيه - أو ابن سمية أو ابن أبي سفيان - أراد أن يتشبّه بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في ضبط الأمور ، والحزم والصرامة ، وإقامة السياسات ، إلا أنّه أسرف وتجاوز الحد ، وأراد الحجاج أن يتشبّه بزياد فأهلك ودمّر . وكان الحجاج يخبر عن نفسه أنّ أكبر لذّاته سفك الدماء ، وارتكاب أمور لا يقدم عليها غيره ، ومن كان كذلك فكيف يوليّه الخلفاء الولايات الكبرى ، ويطلقون فيها يده ! ! . نعم إنّ الضبط والربط والحزامة من الأمور التي تصلح للولاة ، بل من الأمور التي لا يصلح الولاة إلا بها ، لكن على شرط أن لا يخرج ذلك بالولاة إلى الإسراف والاعتداء ، وتجاوز حدود اللّه ، فإنّ العدل هو الحد الوحيد الذي لا يجوز التأخر عنه ، ولا التقدم عليه ، ومن تجاوز حدّ العدل فقد أفرط ، ومن تأخّر عنه فقد فرّط ، وما يسع الجميع إلا العدل . ومن أشدّ الأمور ضررا أن يتعمّد الوالي أو القائد إتيان الأمور التي تجعل له هيبة في قلوب الناس بزعمه ، أو أن يتلذّذ بسمعة البطش وإرهاف الحد ، كما كان يفعل جمال باشا التركي قائد الجيش العثماني في سورية أيام الحرب الكبرى ، فقد كان يتعمّد البطش وإظهار الاستخفاف بدماء البشر ، آملا بأن ينال المهابة في الصدور ، وأن تسير عنه الأخبار ، فأضرّ عمله بدولته وأمته ، وزاد في شقاق الترك مع العرب ، وما نفعت سياسته إلا الإفرنج الطامحين إلى البلاد ، وما نفعت إلا الرائدين لهم ، الساعين بين أيديهم من أبناء البلاد « 2 » .
--> ( 1 ) [ « وفيات الأعيان » ( 2 : 31 ) ] . ( 2 ) [ انظر « تاريخ الدولة العثمانية » للأمير شكيب أرسلان ص ( 417 - 458 ) وهو من منشورات دار ابن كثير بدمشق بتحقيقي ] . -